د. كريمة صديقي
بينما يحتفي المغرب، بحق، بالنتائج التي حققها قطاع صناعة السيارات، ويتباهى بتصدره مراتب متقدمة في الصادرات الصناعية واستقطاب كبريات الشركات العالمية، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل المؤشرات الاقتصادية: من يحمي عاملات الكابلاج اللواتي يقفن خلف هذا النجاح؟
فالحديث عن صناعة السيارات لا ينبغي أن يقتصر على أرقام الصادرات والاستثمارات ومعدلات النمو، بل يجب أن يشمل أيضا الإنسان الذي يصنع هذه الأرقام. فداخل وحدات إنتاج الكابلاج، تعمل آلاف النساء في ظروف تتطلب تركيزا عاليا ودقة متناهية، ولساعات طويلة، تحت ضغط متواصل لتحقيق أهداف الإنتاج، مقابل أجور يراها كثيرون غير متناسبة مع حجم الجهد المبذول.
إنها معادلة تثير الكثير من التساؤلات. كيف يمكن لقطاع يحقق مليارات الدراهم من العائدات أن تظل شريحة واسعة من عاملاته تعاني من ضعف الدخل، والإجهاد الجسدي، والاستنزاف النفسي؟ وكيف يمكن الحديث عن تنمية صناعية مستدامة إذا كانت كلفة هذه التنمية تُدفع من صحة العاملات واستقرارهن الاجتماعي؟
تؤكد شهادات متداولة وتقارير حقوقية ونقابية أن جزءًا من العاملات يواجهن تحديات مرتبطة بطول ساعات العمل، وضغط الإنتاج، وتكرار الحركات المهنية التي قد تؤدي مع مرور الوقت إلى آلام عضلية ومشكلات صحية، فضلا عن الإرهاق النفسي الناتج عن بيئة عمل تتسم في بعض الحالات بإيقاع سريع ومتطلبات إنتاجية مرتفعة. ورغم أن هذه الأوضاع قد تختلف من شركة إلى أخرى، فإنها تستحق المتابعة والتقييم المستمر لضمان احترام حقوق العاملات.
ولا يتوقف الأمر عند حدود المصنع. فالكثير من هؤلاء النساء يعدن إلى بيوتهن ليبدأن “دواما” آخر من المسؤوليات الأسرية، ما يجعل الإرهاق مضاعفا، ويؤثر على صحتهن الجسدية والنفسية، في غياب سياسات أكثر فاعلية لحماية التوازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة.
السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون: كيف نحافظ على تنافسية القطاع؟ بل كيف نجعل هذه التنافسية قائمة على احترام الكرامة الإنسانية. فالقوانين موجودة، ومدونة الشغل واضحة في حماية الحقوق الأساسية للأجراء، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الصارم، وتعزيز دور مفتشيات الشغل، وتشجيع الحوار الاجتماعي، وتمكين العاملات من آليات فعالة للتظلم دون خوف أو تمييز.
إن الاستثمار الأجنبي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم رؤوس الأموال التي تدخل البلاد، وإنما أيضًا بمدى احترام الشركات لمعايير العمل اللائق، وتوفير بيئة مهنية آمنة وصحية، تضمن أجورا عادلة، وتحترم ساعات العمل القانونية، وتراعي الصحة المهنية والنفسية للعاملات.
لقد أثبتت المرأة المغربية، في مختلف القطاعات، أنها عنصر أساسي في التنمية الاقتصادية. وعاملات الكابلاج جزء من هذه الصورة المشرقة، لكنهن في المقابل يستحققن الاعتراف بجهودهن عبر تحسين أوضاعهن المهنية والاجتماعية، لا الاكتفاء بالإشادة بدورهن في المناسبات الرسمية.
إن المغرب، وهو يواصل بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتنافسية، مدعو إلى جعل كرامة العامل في صلب السياسات الصناعية. فالنجاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد السيارات التي تُصدر، بل أيضا بعدد العاملات اللواتي يعدن إلى بيوتهن وهن يتمتعن بحقوقهن كاملة، وبصحة جيدة، وبإحساس بأنهن شريكات في النجاح، لا مجرد أدوات للإنتاج.
فالمصانع التي تُنتج الثروة لا ينبغي أن تنتج المعاناة، والتنمية التي تهمل الإنسان تفقد جزءا كبيرا من معناها.
