خيم التوتر التنظيمي على أشغال الدورات العادية للمجالس الإقليمية لحزب الاستقلال بمدينة الدار البيضاء وعدد من الأقاليم المجاورة لها، حيث طفت على السطح خلافات حادة وتباينات عميقة بالتزامن مع بدء العد التنازلي للاستحقاقات التشريعية المقررة سنة 2026.
ونقلت مصادر مطلعة أن هذه المحطات التنظيمية، التي كان يُفترض أن تشكل فضاءً للتقييم والنقاش الحزبي، تحولت إلى ساحة لسجالات ساخنة بين مناضلين وقيادات محلية، على خلفية ما وُصف بـ”القرارات الفوقية” الرامية إلى إعادة هندسة المشهد التنظيمي والحزبي بجهة الدار البيضاء-سطات.
وفي هذا السياق، سادت حالة من التذمر الواسع في صفوف أطر ومنتسبي الحزب، لاسيما الوجوه التاريخية التي واكبت العمل الميداني لسنوات؛ إذ عبر هؤلاء عن استيائهم من توجه القيادة المركزية نحو استقطاب وجوه جديدة ومنحها مواقع متقدمة في الهياكل المحلية والإقليمية، فضلاً عن تقديمها كمرشحين مفترضين للانتخابات البرلمانية المقبلة.
واعتبر غاضبون خلال هذه الدورات أن هذا التوجه يمثل “إقصاءً ممنهجاً” للقواعد السياسية من صناعة القرار، مؤكدين أن انتقاء الأسماء المرشحة لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة تم بمعزل عن أي نقاش داخلي موسع، ودون إشراك للهيئات التقريرية المحلية.
ولم يقف الاحتقان عند ملف التزكيات الانتخابية، بل امتد ليشمل التعيينات التنظيمية الأخيرة، خاصة ما يتعلق بالمفتشين الإقليميين ومسؤولي الفروع؛ حيث اعتبر المحتجون أن هذه القرارات اتُّخذت داخل “دوائر ضيقة” وضدا على منطق التشاور والتوافق الذي يُشكل الهوية السياسية للحزب.
وفي سياق متصل، وجهت قيادات استقلالية بالجهة (فضلت عدم كشف هويتها) انتقادات مباشرة للأمين العام للحزب، نزار بركة، والدائرة المحيطة به، متهمة إياهم بـ”الانفراد” في تدبير الملفات التنظيمية الحساسة. ورأت هذه المصادر أن الممارسات الحالية تشكل تراجعاً عن قيم “الديمقراطية التشاركية” التي طالما شكلت ركيزة في الخطاب السياسي لـ”الميزان”.
كما أعرب مفتشون ومناضلون عن مخاوفهم من تحول أدوارهم إلى “أدوار شكلية”، خاصة بعد بروز أسماء وافدة حديثاً على الحزب في صدارة الترتيبات الانتخابية، مما أثار علامات استفهام كبرى حول المعايير المعتمدة في منح التزكيات واختيار النخب.
وشهدت كواليس اللقاءات التنظيمية احتجاجات تراوحت بين الصمت والمواجهة المباشرة، حيث عبر مناضلون عن رفضهم لتقديم الوافدين الجدد على حساب الأطر التاريخية التي دافعت عن مواقف الحزب في مختلف المحطات الصعبة. وأفادت المصادر بأن هذا المناخ المشحون دفع ببعض الملتحقين الجدد إلى مغادرة الاجتماعات قبل انتهائها، إثر تعرضهم لانتقادات مباشرة تعتبر صعودهم قفزاً على منطق الاستحقاق والتدرج التنظيمي.
وأمام هذا الانسداد، انخرطت فعاليات استقلالية في مشاورات ولقاءات موازية (غير معلنة) لتدارس سبل التعامل مع المرحلة المقبلة، في ظل اتساع الفجوة بين المركز والقواعد. ورجحت المصادر أن تتجه الأزمة نحو التصعيد خلال الأشهر القليلة القادمة إذا استمر النهج الحالي، مشيرة إلى لوائح لوحت بخيارات راديكالية تشمل الاستقالات الجماعية أو تجميد الأنشطة الحزبية.
ويضع هذا الاحتقان قيادة حزب الاستقلال أمام تحدٍّ حقيقي؛ فجهة الدار البيضاء-سطات تمثل ثقلاً انتخابياً استراتيجياً للمملكة، وغدت اللامركزية الحزبية مطالبة اليوم بإيجاد معادلة دقيقة توازن بين استقطاب الكفاءات الجديدة وضمان ولاء القواعد التقليدية، لإعادة بناء جسور الثقة وصون التماسك الداخلي للحزب.
