أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أن القارة الإفريقية تمر بمرحلة دقيقة تتسم بتحديات ديموغرافية وحضرية كبرى، تفرض تبني إصلاحات جذرية وهيكلية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
وأوضحت الوزيرة، في كلمة افتتحت بها أعمال الجمع العام السنوي الـ45 لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا” (Shelter Afrique)، أن الخصاص الحالي في الوحدات السكنية بالقارة يبلغ نحو 50 مليون وحدة، وهو ما يتطلب تعبئة استثمارات ضخمة تُقدر بنحو 1400 مليار دولار.
وينعقد هذا الجمع العام بالرباط على مدى ثلاثة أيام تحت شعار: “مستقبل المدن.. تمويل تنمية حضرية شاملة، خضراء وقادرة على الصمود”، بمشاركة واسعة لمسؤولين ومستثمرين يمثلون 44 دولة عضواً في هذه المؤسسة المالية الإفريقية المتخصصة حصرياً في دعم قطاع الإسكان والعقارات بالقارة.
تحذيرات من تفاقم الهجرة الحضرية والمخاطر المناخية
وأشارت المسؤولية الحكومية إلى التسارع القياسي لمعدلات التمدن في إفريقيا؛ إذ يُتوقع أن تقفز نسبة الساكنة الحضرية إلى 65% بحلول عام 2050 مقارنة بـ54% في عام 2020، مما يعني وفود ملايين الأشخاص سنوياً إلى المدن.
وحذرت فتاح من أن التراخي في التعامل مع هذا التوسع الحضري قد يرفع عجز السكن إلى 130 مليون وحدة بحلول عام 2030. كما نبهت إلى الكلفة الباهظة للتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، والتي قد تكلف القارة ما بين 45 و50 مليار دولار بحلول عام 2040 (حوالي 7% من ناتجها الداخلي الخام)، وهو ما يفرض توجيه الجهود لتأسيس مدن مستدامة ومرنة.
وشددت الوزيرة على أن قطاع السكن لم يعد مجرد أداة للتوازنات المالية والميزانياتية، بل تحول إلى سياسة استراتيجية ومحرك للنمو الاقتصادي كفيل بصون الكرامة الإنسانية والمواطنة، داعية إلى تطوير منظومة العقار، والتمويل، والبناء، مع تعزيز الحكامة المحلية بإطار قانوني وتحفيزي فعال.
النموذج المغربي: إنجازات ملموسة وأرقام دالة
وفي معرض حديثها عن التجربة المغربية المستوحاة من الرؤية الملكية، وصفت الوزيرة نموذج المملكة بـ”الملهم والـمُتقاسم”، مستدلة بمؤشرات تعكس نجاعة السياسات المعتمدة، حيث يساهم قطاع البناء والعقار بنحو 6% من الناتج الداخلي الخام. وذكرت أن نسبة التمدن في المغرب ناهزت 65% مع تطلع لبلوغ 70% بحلول 2030، مما يرفع الطلب المتوقع على السكن إلى 2.3 ملايين وحدة بحلول 2025.
واستعرضت فتاح أبرز محطات النجاح المغربي، ومنها:
- برنامج “مدن بدون صفيح”: مَكّن أكثر من 384 ألف أسرة من ولوج سكن لائق، مع إعلان 62 مدينة خالية من الصفيح من أصل 85 مستهدفة.
- سياسة المدينة: إبرام 475 اتفاقية تمويل منذ 2015 باستثمار إجمالي ناهز 76 مليار درهم (7.6 مليارات دولار).
- الدعم المباشر للسكن: إطلاق آلية استفاد منها أزيد من 150 ألف شخص، عبر تقديم منح مالية مباشرة تتراوح بين 70 ألف و100 ألف درهم للمقتنين.
- أنظمة الضمان المالي: تمكين أزيد من 320 ألف أسرة من ذوي الدخل المحدود وغير المنتظم من الولوج للقروض عبر صندوقي “فوغالوج” و”فوغالوف” بغلاف مالي تجاوز 100 مليار درهم، في حين يمثل الجاري الإجمالي للقروض العقارية اليوم 25% من مجموع القروض البنكية بالمملكة (أزيد من 33 مليار دولار).
تحول استراتيجي وتكريس للتعاون “جنوب – جنوب”
واعتبرت وزيرة الاقتصاد والمالية أن الانتقال من نظام الامتيازات الضريبية للمنعشين العقاريين إلى نظام الدعم المالي المباشر للأسر يشكل تحولاً استراتيجياً يهدف إلى ملاءمة العرض مع القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين. ودعت في هذا الصدد إلى تعبئة أسواق الرساميل والاهتمام بالفئات الأكثر هشاشة كالشباب والنساء والعاملين في القطاع غير المهيكل.
وفي ختام كلمتها، جددت نادية فتاح استعداد المغرب الكامل لتقاسم خبراته وتجاربه الرائدة مع البلدان الإفريقية تكريساً لتعاون “جنوب – جنوب” فاعل، مؤكدة أن مواجهة تحديات السكن بالقارة لا ترتبط بنقص في القدرات، بل تتطلب قراراً جماعياً حاسماً وتوحيداً للرؤى والآليات لبناء مستقبل حضري مستدام ومستقر لجميع الشعوب الإفريقية.
