مغاربة العالم ودينامية “المواطنة العابرة للحدود”: دحض أطروحة الفتور وبناء الهوية المركبة

سهام حجري

رغم ما يروّجه البعض من قراءات تحاول إضفاء أبعاد سياسية على ما يصفونه بـ “فتور” اهتمام مغاربة العالم بوطنهم الأم، فإن المعطيات الإحصائية الرسمية والمؤشرات السوسيولوجية والرمزية تفند هذا الطرح جملة وتفصيلاً. إن العلاقة التي تربط مغاربة الخارج بالمملكة تتجاوز الأبعاد الموسمية العابرة، لتلامس أبعاداً هوياتية ووجدانية متجذرة تستدعي الاستثمار الأمثل.

إن عدم قدرة بعض المهاجرين على زيارة المغرب بانتظام لا يعكس تراجعاً في منسوب الارتباط بالوطن، بل تمليه سياقات موضوعية؛ كالتزامات العمل، وتوزع الزيارات على مدار السنة، والمسؤوليات الأسرية في بلدان الإقامة. ومع ذلك، يظل المغرب حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية عبر اللغة، والعادات، والتفاعل الديناميكي مع القضايا الوطنية عبر الفضاء الرقمي والنسيج الجمعوي. هذه القوة الروابطية تثبت أن غياب “الجسد” لا يعني غياب “الانتماء”، وأن الهوية لا تُقاس بالتواجد المادي بل بعمق الرابط الشعوري والرمزي.

وتأتي الأرقام الرسمية لعملية “مرحبا 2025” لتقدم دليلاً قاطعاً يدحض مزاعم العزوف؛ حيث بلغ عدد الوافدين من الجالية المغربية نحو 2.79 مليون شخص حتى 4 غشت 2025، مسجلاً زيادة بنسبة 10.37% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. هذه القفزة الرقمية تؤكد أننا لسنا أمام ظاهرة انكفاء يمكن تأويلها سياسياً، بل أمام ارتباط بنيوي عصي على التشكيك.

من العامل الاقتصادي إلى الفاعل السوسيوسياسي

لا يمكن قراءة مسار الهجرة المغربية، التي تجاوزت القرن من الزمن، دون استحضار امتدادها العاطفي والاجتماعي والسياسي. لقد انتقل المهاجر المغربي في الفضاءات الأوروبية، والأمريكية، والكندية، والأفريقية، من مجرد “عامل اقتصادي” إلى فاعل اجتماعي وسياسي يحمل هوية مزدوجة، ويكرس مفهوم “المواطنة العابرة للحدود” كما صاغتها الأدبيات السوسيولوجية المعاصرة.

هذه العلاقة الوثيقة لم تعد تتغذى على الحنين الرومانسي الفردي فحسب، بل تحولت إلى ممارسات اجتماعية وسياسية عابرة للجغرافيا تتحدى المفاهيم التقليدية للمواطنة والسيادة والحدود. فالمواطن المغربي في الخارج لم ينفصل عن جِذره، بل أنتج نمطاً تفاعلياً جديداً يقوم على الولاء المتعدد والارتباط الشبكي والثقافي.

تجليات “المواطنة العابرة للحدود” وأبعادها الجيلية

إن مفهوم “المواطنة العابرة للحدود” ليس ترفاً نظرياً مجرداً، بل هو واقع ملموس تؤكده الديناميات الجمعوية والمدنية المنخرطة في التنمية المحلية بالمغرب ونقل المعرفة والمطالبة بالحقوق. وهذه المواطنة لا تُختزل في المشاركة السياسية النمطية، بل تتسع لتمثلات واعية ومعقدة؛ فحتى مواقف النقد الموجهة للسياسات العمومية أو العزوف عن المحطات الانتخابية، لا تعني قطيعة مع المؤسسات الوطنية، بل تُعبّر عن وعي سياسي متطور يستند إلى ارتباط وثيق بالثوابت الرمزية للمملكة.

وقد كشفت دراستنا الميدانية السوسيولوجية لهذا المفهوم أن صيغ الارتباط تتباين وفق المتغيرات الجيلية، والجنس، وبلد الإقامة:

  • الجيل الأول: يغلب عليه الولاء العاطفي والرمزي الكلاسيكي.
  • الأجيال الصاعدة: تُعيد صياغة الرابط ضمن “هوية مركبة” تجمع بين الوعي بالاختلاف الثقافي في بلدان الإقامة، والتمسك بالمغرب كمكون هوياتي أصيل. ويتجلى ذلك في الإقبال على تعلم اللغة العربية، والتمسك بالمرجعية الإسلامية المعتدلة، والتفاعل مع القضايا الاستراتيجية للمملكة.

أفق المستقبل…من “الجالية” إلى “المواطنة الفعلية”

في ظل سياق عالمي يشهد تحولاً جذرياً في مفاهيم السيادة والحدود، لم تعد الدولة الوطنية الفضاء الحصري للمواطنة، بل برزت “المواطنة المتعددة” التي تتيح للفرد الانتماء لفضائين دون تناقض. وفي هذا الإطار، نجح النموذج المغربي عبر تراكمات قانونية ودستورية في إعادة تعريف العلاقة مع مغاربة الخارج. ومع ذلك، لا يزال هذا الاعتراف بحاجة إلى استكمال عبر تمثيلية سياسية فعلية وإشراك حقيقي في صناعة القرار الوطني.

إن سوسيولوجيا مغاربة العالم تبرهن في المحصلة على أن “الاغتراب” لم يعد نقيضاً لـ “الانتماء”، بل أضحى شكلاً متطوراً منه؛ حيث نجح المهاجر المغربي في الحفاظ على جذوره الروحية والثقافية مع تطوير ممارسات مواطنة مرنة (اجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، وسياسياً).

إن استيعاب أطروحة “المواطنة العابرة للحدود” يفرض على المؤسسات المغربية الانتقال برؤيتها في تدبير هذا الملف من المقاربة الكلاسيكية التي تختزل مغاربة الخارج في وصف “الجالية”، إلى مقاربة استراتيجية تتعامل معهم كـ مواطنين فعليين في علاقة ديناميكية، دائمة، وشريكة في بناء مغرب المستقبل.

سهام حجري

رغم ما يروّجه البعض من قراءات تحاول إضفاء أبعاد سياسية على ما يصفونه بـ “فتور” اهتمام مغاربة العالم بوطنهم الأم، فإن المعطيات الإحصائية الرسمية والمؤشرات السوسيولوجية والرمزية تفند هذا الطرح جملة وتفصيلاً. إن العلاقة التي تربط مغاربة الخارج بالمملكة تتجاوز الأبعاد الموسمية العابرة، لتلامس أبعاداً هوياتية ووجدانية متجذرة تستدعي الاستثمار الأمثل.

إن عدم قدرة بعض المهاجرين على زيارة المغرب بانتظام لا يعكس تراجعاً في منسوب الارتباط بالوطن، بل تمليه سياقات موضوعية؛ كالتزامات العمل، وتوزع الزيارات على مدار السنة، والمسؤوليات الأسرية في بلدان الإقامة. ومع ذلك، يظل المغرب حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية عبر اللغة، والعادات، والتفاعل الديناميكي مع القضايا الوطنية عبر الفضاء الرقمي والنسيج الجمعوي. هذه القوة الروابطية تثبت أن غياب “الجسد” لا يعني غياب “الانتماء”، وأن الهوية لا تُقاس بالتواجد المادي بل بعمق الرابط الشعوري والرمزي.

وتأتي الأرقام الرسمية لعملية “مرحبا 2025” لتقدم دليلاً قاطعاً يدحض مزاعم العزوف؛ حيث بلغ عدد الوافدين من الجالية المغربية نحو 2.79 مليون شخص حتى 4 غشت 2025، مسجلاً زيادة بنسبة 10.37% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. هذه القفزة الرقمية تؤكد أننا لسنا أمام ظاهرة انكفاء يمكن تأويلها سياسياً، بل أمام ارتباط بنيوي عصي على التشكيك.

من العامل الاقتصادي إلى الفاعل السوسيوسياسي

لا يمكن قراءة مسار الهجرة المغربية، التي تجاوزت القرن من الزمن، دون استحضار امتدادها العاطفي والاجتماعي والسياسي. لقد انتقل المهاجر المغربي في الفضاءات الأوروبية، والأمريكية، والكندية، والأفريقية، من مجرد “عامل اقتصادي” إلى فاعل اجتماعي وسياسي يحمل هوية مزدوجة، ويكرس مفهوم “المواطنة العابرة للحدود” كما صاغتها الأدبيات السوسيولوجية المعاصرة.

هذه العلاقة الوثيقة لم تعد تتغذى على الحنين الرومانسي الفردي فحسب، بل تحولت إلى ممارسات اجتماعية وسياسية عابرة للجغرافيا تتحدى المفاهيم التقليدية للمواطنة والسيادة والحدود. فالمواطن المغربي في الخارج لم ينفصل عن جِذره، بل أنتج نمطاً تفاعلياً جديداً يقوم على الولاء المتعدد والارتباط الشبكي والثقافي.

تجليات “المواطنة العابرة للحدود” وأبعادها الجيلية

إن مفهوم “المواطنة العابرة للحدود” ليس ترفاً نظرياً مجرداً، بل هو واقع ملموس تؤكده الديناميات الجمعوية والمدنية المنخرطة في التنمية المحلية بالمغرب ونقل المعرفة والمطالبة بالحقوق. وهذه المواطنة لا تُختزل في المشاركة السياسية النمطية، بل تتسع لتمثلات واعية ومعقدة؛ فحتى مواقف النقد الموجهة للسياسات العمومية أو العزوف عن المحطات الانتخابية، لا تعني قطيعة مع المؤسسات الوطنية، بل تُعبّر عن وعي سياسي متطور يستند إلى ارتباط وثيق بالثوابت الرمزية للمملكة.

وقد كشفت دراستنا الميدانية السوسيولوجية لهذا المفهوم أن صيغ الارتباط تتباين وفق المتغيرات الجيلية، والجنس، وبلد الإقامة:

  • الجيل الأول: يغلب عليه الولاء العاطفي والرمزي الكلاسيكي.
  • الأجيال الصاعدة: تُعيد صياغة الرابط ضمن “هوية مركبة” تجمع بين الوعي بالاختلاف الثقافي في بلدان الإقامة، والتمسك بالمغرب كمكون هوياتي أصيل. ويتجلى ذلك في الإقبال على تعلم اللغة العربية، والتمسك بالمرجعية الإسلامية المعتدلة، والتفاعل مع القضايا الاستراتيجية للمملكة.

أفق المستقبل…من “الجالية” إلى “المواطنة الفعلية”

في ظل سياق عالمي يشهد تحولاً جذرياً في مفاهيم السيادة والحدود، لم تعد الدولة الوطنية الفضاء الحصري للمواطنة، بل برزت “المواطنة المتعددة” التي تتيح للفرد الانتماء لفضائين دون تناقض. وفي هذا الإطار، نجح النموذج المغربي عبر تراكمات قانونية ودستورية في إعادة تعريف العلاقة مع مغاربة الخارج. ومع ذلك، لا يزال هذا الاعتراف بحاجة إلى استكمال عبر تمثيلية سياسية فعلية وإشراك حقيقي في صناعة القرار الوطني.

إن سوسيولوجيا مغاربة العالم تبرهن في المحصلة على أن “الاغتراب” لم يعد نقيضاً لـ “الانتماء”، بل أضحى شكلاً متطوراً منه؛ حيث نجح المهاجر المغربي في الحفاظ على جذوره الروحية والثقافية مع تطوير ممارسات مواطنة مرنة (اجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، وسياسياً).

إن استيعاب أطروحة “المواطنة العابرة للحدود” يفرض على المؤسسات المغربية الانتقال برؤيتها في تدبير هذا الملف من المقاربة الكلاسيكية التي تختزل مغاربة الخارج في وصف “الجالية”، إلى مقاربة استراتيجية تتعامل معهم كـ مواطنين فعليين في علاقة ديناميكية، دائمة، وشريكة في بناء مغرب المستقبل.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ماتيا (Matya) هي منصة صحفية تابعة لمجلة إكسيل (Excel Mag)، مخصصة للاحتفاء بالتنوع الثقافي. نحن نستكشف ثراء التراث الأمازيغي ونربطه بديناميكيات الثقافة العالمية. مهمتنا: بناء جسر بين جذورنا الأصيلة والآفاق الدولية من خلال رؤية صحفية حديثة وأصلية.

الفقرات

مجتمع

شخصيات

مغاربة العالم

فن وثقافة

حكاية مدن

طبخ

مقالات رأي

أناقة وجمال

تربية

Quick Links

Get a Free Quote

Request a Demo

Pricing Plans

Testimonials

Support Center

Legal

Terms of Service

Privacy Policy

Cookie Policy

Disclaimer

Data Processing Agreement

لا تفوت أي تحديث
اشترك في القائمة البريدية

تم الإشتراك بنجاح نعتذر، وقع خطأ غير متوقع. يرجى إعادة المحاولة

جميع الحقوق محفوضة | Matya 2026