احتضنت العاصمة المغربية الرباط فعاليات المؤتمر الدولي الأول من نوعه حول “التصوف بصيغة المؤنث”، والذي نظمته أكاديمية المملكة المغربية بشراكة مع المنظمة الدولية غير الحكومية “وليات”. ويأتي هذا اللقاء الدولي البارز ليس فقط كخطوة لتصحيح المسار التاريخي، بل كضرورة معرفية ملحة لفهم التصوف في أبعاده الشمولية والحضارية المتعددة، واعترافاً بالبصمة الروحية للنسوة الصوفيات عبر التاريخ.

إنصاف معرفي وتفكيك للسرديات السائدة
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، أن “التصوف النسوي ليس مجرد موضوع عابر، بل هو فعل إنصاف وفعل معرفة في آن واحد”. وأوضح لحجمري أن هذا الموعد العلمي يروم استكشاف تراث النساء الصوفيات في المغرب والعالم، وإعادة وضعه في مكانته اللائقة ضمن تاريخ التدين والحكمة؛ مشدداً على أن حضور المرأة في هذا المجال لم يكن ترفاً فكرياً، بل ركيزة أساسية في بناء المعنى الصوفي، وتوريث السلوك، وتغذية الضمائر عبر مجالس الذكر والتزكية.
كما أشار المؤتمر إلى ضرورة تفكيك السرديات الثقافية العامة وطرق التدوين التقليدية التي حجبت هذا الإرث، محذراً من اختزال التصوف النسائي في أسماء معدودة. فقد كانت المتصوفات حاملات علم ومعرفة، ومرشدات تركن أثراً روحياً واجتماعياً عميقاً. ومن هذا المنطلق، يعيد المؤتمر طرح أسئلة جوهرية حول سلطة التجربة الروحية وتدوينها، وعلاقة الروحي بالاجتماعي، مبرزاً أن التصوف الإسلامي يتأسس على معانٍ روحية كبرى كالمجاهدة والصدق، بعيداً عن أي تفاضل جندري.

التصوف كفعل محبة لإنقاذ العالم
من جانبها، أعربت كارول لطيفة أمير، الرئيسة المؤسسة لمنظمة “وليات”، عن شكرها للملك محمد السادس لرعايته للتصوف بوصفه “قلباً نابضاً للإسلام”، مشيرة إلى أن المؤتمر يستحضر الحكمة النسائية كحاجة ملحة لليوم والغد.
وأضافت أن التصوف في عمقه هو “استجابة لنداء داخلي يرتكز على العطاء والخدمة لا الاستفادة”، معتبرة أن ترميم الذاكرة الصوفية النسائية هو “فعل محبة تجاه العالم”. وأوضحت أن الارتقاء بالتربية الروحية يسهم في نشر الرحمة، وأن إصلاح العالم وحمايته من الجشع المادي هو جهد إنساني مشترك بين الرجال والنساء، تشكل فيه الحكمة والروحانية الثروة الحقيقية والنموذج المجتمعي البديل.

المساواة الوجودية في المنظور القرآني
وفي السياق ذاته، أكدت الباحثة أسماء المرابط، عضو أكاديمية المملكة المغربية، أن عقد هذا المؤتمر بالمغرب -أرض الأولياء والصالحين- يمثل انطلاقة لمشروع مستدام يهدف إلى إشعاع التراث الصوفي النسائي. وأوضحت المرابط أن القرآن الكريم هو منبع الروحية التي تخاطب “الإنسان” في مقامه الأول، وتؤسس لمساواة وجودية كاملة بين الرجل والمرأة، حيث لا تمايز بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وأضافت أن القرآن يكرس قيم التكامل والانسجام من خلال مفهوم “الولاية المشتركة” في الآية الكريمة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، مستحضرة نماذج لنساء خلّدهن القرآن كرموز للعدالة والتحرر الروحي؛ مثل السيدة مريم التي حطمت السلطة الذكورية الدينية في عصرها، وبلقيس التي مدح الله حكمها العادل، وآسية امرأة فرعون التي واجهت الظلم بإيمانها، بالإضافة إلى رحلة التوبة والرحمة لزليخة، وسعي السيدة هاجر بين الصفا والمروة الذي بات ركناً أساسياً في العبادة الإسلامية.
إحياء التراث المدفون ومواجهة الإقصاء التاريخي
وانتقدت المرابط القراءات البشرية والسلطوية التي تناقض النموذج الإلهي وتستبعد المرأة من النبوة والولايات الكبرى، برغم وجود قلة من العلماء (كابن حزم والطاهر بن عاشور) الذين ناصروا نبوة بعض النساء. ودعت إلى إحياء الإرث النسائي “المدفون تحت قرون من التأويل التمييزي”، لتفنيد الخطابات التي تختزل المرأة في مفاهيم “الفتنة أو العورة أو نقص العقل”.
واختتمت المرابط بالإشارة إلى أن هناك الكثير من الصوفيات (أمثال رابعة العدوية) اللواتي طواهن النسيان التاريخي، إما بسبب النظرة الدونية للمرأة في التدوين، أو بسبب زهد المتصوفات أنفسهن ونكرانهن للذات. واستدلت بنموذج المتصوفة المغربية “منية بنت ميمون الدكالي” التي تحدثت في زمنها عن مجالس ذكر تضم ألف امرأة من “الوليات”، دون أن يصلنا توثيق لسيرهن؛ مؤكدة في النهاية على المسؤولية الجماعية لإعادة اكتشاف هذا التاريخ المنسي تحقيقاً لعدالة تاريخية حقيقية تسهم في بناء مجتمع متوازن برجاله ونسائه.

