في وقت تواجه فيه القارة الأوروبية تحديات ديموغرافية معقدة جراء تراجع معدلات الخصوبة وتمدد الشيخوخة، برزت الجالية المغربية ــ ولا سيما النساء ــ كركيزة أساسية في إعادة التوازن السكاني لعدد من الأقاليم الأوروبية. ويأتي إقليم الباسك الإسباني في مقدمة هذه المناطق، حيث نجح في كسر منحنى التراجع المستمر في معدل الولادات والذي امتد لأكثر من عقد من الزمن، بفضل الحيوية الديموغرافية للمهاجرين.
ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الباسكي (Eustat)، فقد شهد الإقليم خلال عام 2025 أول انتعاشة ديموغرافية له منذ عام 2014، مسجلاً زيادة بـ 407 مواليد جدد. وتؤكد المؤشرات أن هذا الارتفاع ما كان ليتأتى لولا الإسهام الفعال للأمهات المنحدرات من أصول أجنبية، وفي مقدمتهن النساء المغربيات اللواتي تصدرن قائمة الأمهات الأجنبيات الأكثر إنجاباً بـ 692 مولوداً، متفوقات بفارق ملموس على الجنسيات الأخرى مثل الكولومبية (454 مولوداً)، الجزائرية (230 مولوداً)، والباكستانية (208 مواليد).
ويرى خبراء ومراقبون أن هذه الصدارة تعكس “التجذر السوسيولوجي” العميق للجالية المغربية في إسبانيا؛ إذ لم يعد الوجود المغربي مقتصراً على الهجرة المؤقتة بغرض العمل، بل تحول إلى استقرار أسري مستدام يسهم بشكل مباشر في صياغة النسيج المجتمعي الإسباني وتأمين مستقبله.
كما أظهر التقرير الإحصائي مفارقة اجتماعية وثقافية لافتة تتصل بمفهوم مؤسسة الأسرة؛ حيث تميل النساء الأجنبيات ــ وبخاصة المغربيات ــ إلى الزواج وتأسيس الأسر في سن مبكرة مقارنة بالنساء الإسبانيات. وتُشير الأرقام إلى أن نحو 42.5% من الأمهات الأجنبيات وضعن أطفالهن دون سن الثلاثين، في حين لم تتعدَّ هذه النسبة 13.3% في صفوف الأمهات الإسبانيات؛ وهو ما يبرز بوضوح استمرار محورية “مؤسسة الأسرة” في الثقافة المغربية حتى في بلدان المهجر، في المقابل الذي تنزع فيه الثقافة الأوروبية نحو تأخير سن الزواج والإنجاب لاعتبارات مهنية وفردانية.
وفي المحصلة، بات هذا التدفق السكاني الذي تمثله المواليد من أصول أجنبية (والذي يشكل 26.7% من إجمالي المواليد الجدد) يُمثل “طوق نجاة” حقيقي للاقتصاد السكاني لإقليم الباسك ولنظامه الاجتماعي، مِما يُسهم في تخفيف حدة الانكماش الديموغرافي الذي عانى منه الإقليم على مدار 11 عاماً متتالية.
